عندما تخسر منتخبات عربية مبارياتها الحاسمة في التصفيات، يبدأ مسلسل الأعذار المعتاد: الحكم ظلمنا، الملعب كان سيئاً، اللاعبون مُتعبون، الظروف لم تكن مواتية. نفس السيناريو يتكرر منذ عقود، بينما منتخبات أخرى من قارات مختلفة تتقدم وتتطور وتحقق إنجازات تاريخية. السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: متى سنتوقف عن التبرير ونبدأ في المحاسبة الحقيقية؟
ثقافة الأعذار: عندما يصبح الفشل مقبولاً
في تصفيات كأس العالم 2026، شهدنا منتخبات عربية عديدة تتعثر أمام منافسين أقل منها على الورق. البعض خسر نقاطاً ثمينة على أرضه أمام فرق لا يُفترض أن تشكل تهديداً جدياً، والبعض الآخر قدّم عروضاً باهتة جعلت جماهيره تغادر الملاعب قبل نهاية المباريات. لكن الأخطر من النتائج السيئة هو ردود الفعل التي تليها.
بدلاً من الاعتراف بالأخطاء التكتيكية والفنية، نسمع مدربين يلقون باللوم على الحكام أو على «سوء الحظ». اتحادات كرة القدم تصدر بيانات تدافع عن الجهاز الفني وتطالب الجماهير بـ«الصبر والثقة». إعلاميون يبحثون عن أي عذر لتجميل الصورة القاتمة. والنتيجة؟ بقاء المسؤولين عن الفشل في مناصبهم، وتكرار نفس الأخطاء في المباريات التالية.
المغرب: الاستثناء الذي يؤكد القاعدة
عندما نتحدث عن نجاح عربي حقيقي في السنوات الأخيرة، يبرز المنتخب المغربي كنموذج استثنائي. الوصول إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 لم يكن ضربة حظ، بل نتاج تخطيط طويل المدى، واختيار دقيق للكوادر الفنية، وثقافة مؤسسية ترفض التبرير وتؤمن بالمحاسبة. المغرب بنى مشروعاً رياضياً حقيقياً، استثمر في البنية التحتية والأكاديميات، وأصرّ على استقطاب أفضل المواهب المغربية من الشتات الأوروبي.
لكن السؤال الذي يجب طرحه: لماذا لم تحذُ منتخبات عربية أخرى حذو المغرب؟ لماذا لا نرى نفس الجدية والاحترافية في دول تملك إمكانيات مالية أكبر بكثير؟ الإجابة بسيطة ومؤلمة: لأن ثقافة التبرير أسهل من ثقافة الإصلاح الحقيقي.
أرقام لا تكذب: الفجوة تتسع
إذا نظرنا إلى إحصائيات التصفيات الحالية، سنجد أن معظم المنتخبات العربية تعاني من ضعف واضح في المؤشرات الفنية الأساسية. نسب الاستحواذ على الكرة أمام منافسين متوسطين لا تتجاوز الـ50%، دقة التمريرات في الثلث الأخير متدنية، والأخطر من ذلك: عدد الفرص الحقيقية المُهدرة يفوق عدد الأهداف المُسجلة بأضعاف مضاعفة.
منتخبات آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا تتقدم بثبات في تصنيفات الفيفا وتصفياتها، بينما بعض المنتخبات العربية تراجعت عشرات المراكز خلال السنوات الخمس الماضية. الفارق ليس في الموهبة الخام فقط، بل في الإدارة والتخطيط والاحترافية.
المدربون الأجانب: حل أم جزء من المشكلة؟
كثير من الاتحادات العربية تستعين بمدربين أجانب بعقود خيالية، معتقدة أن الاسم الكبير وحده كفيل بتحقيق المعجزات. لكن الواقع يثبت عكس ذلك. مدربون أوروبيون كبار جاؤوا إلى المنطقة وفشلوا فشلاً ذريعاً، ليس بسبب نقص خبرتهم، بل لأنهم يعملون ضمن منظومة إدارية فاسدة لا تسمح بالعمل المهني الحقيقي.
التدخلات الإدارية في الاختيارات الفنية، الضغوط السياسية والإعلامية، غياب استراتيجية واضحة طويلة المدى، كلها عوامل تجعل من مهمة أي مدرب، محلياً كان أم أجنبياً، مهمة مستحيلة. والنتيجة: تعاقب المدربين بوتيرة سريعة دون تحقيق أي إنجاز حقيقي، مع إهدار ملايين الدولارات في تعويضات الفسخ.
اللاعبون: بين الموهبة المُهدرة والراحة الزائدة
لا يمكن إلقاء اللوم على الإدارات والمدربين وحدهم. اللاعبون أنفسهم يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية. كثيرون منهم يكتفون بمستوى متوسط في الدوريات المحلية، يرفضون التحدي في بطولات أوروبية أقوى، ويظهرون بلياقة بدنية مخجلة في المباريات الدولية. البعض يتعامل مع قميص المنتخب كأنه شرف كافٍ بحد ذاته، دون الشعور بمسؤولية تقديم الأفضل.
عندما يُسأل لاعب عربي عن سبب الخسارة، غالباً ما تكون إجابته دفاعية: «بذلنا قصارى جهدنا»، «الحظ لم يحالفنا»، «سنعوّض في المباراة القادمة». أين الاعتراف بالأخطاء الفردية؟ أين النقد الذاتي؟ أين الغضب الداخلي الذي يدفع اللاعب لتحسين مستواه؟
الجماهير: بين الدعم الأعمى والإحباط الدائم
الجماهير العربية متعطشة للفرح الكروي، لكنها أيضاً أصبحت ضحية لهذه الثقافة. البعض يدافع بشراسة عن المنتخب مهما كانت النتائج، معتبراً أن أي نقد هو «خيانة وطنية». والبعض الآخر سقط في هاوية الإحباط الدائم، فقد الأمل تماماً، وأصبح يتفرج على التصفيات بلامبالاة قاتلة.
كلا الموقفين خاطئ. الجماهير يجب أن تكون داعمة لكن واعية، متحمسة لكن ناقدة، وفيّة لكن غير متساهلة مع الفشل المتكرر. الضغط الجماهيري الإيجابي هو أحد أهم محركات التغيير، لكنه يتطلب وعياً رياضياً ورفضاً للخطاب الإعلامي المُخدّر.
كأس العالم 2026: فرصة أم فضيحة قادمة؟
مع استضافة كأس العالم 2026 في أمريكا الشمالية واتساع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخباً، ستحصل منتخبات عربية أكثر على فرصة التأهل. لكن هل هذا إنجاز حقيقي أم مجرد «هدية» تنظيمية؟ وهل ستكون المشاركة فرصة لتقديم مستوى محترم أم فضيحة جديدة تُضاف إلى سجل الإخفاقات؟
الحقيقة أن التأهل إلى كأس العالم بات أسهل من أي وقت مضى، لكن التأهل وحده لا يعني شيئاً إذا لم يُرافقه مستوى فني يليق بالحدث. الجماهير العربية لا تريد مجرد «مشاركة شرفية»، بل تريد منتخبات تنافس بجدارة، تفوز بثقة، وتُمثّل المنطقة بكرامة.
الحل: ثورة ثقافية قبل الفنية
لن تتغير الأمور إلا بثورة ثقافية حقيقية داخل المؤسسات الكروية العربية. ثورة تبدأ بالاعتراف بالفشل، وتمر بمحاسبة المسؤولين، وتنتهي بوضع استراتيجيات طويلة المدى بعيداً عن الارتجال والشعارات الفارغة. الاستثمار في الأكاديميات، تطوير البنية التحتية، تحديث أساليب التدريب، واستقطاب الكفاءات الحقيقية، كلها خطوات ضرورية لكنها تتطلب إرادة حقيقية.
لكن الأهم من كل ذلك: إنهاء ثقافة التبرير. يجب أن يعرف كل مسؤول، من رئيس الاتحاد إلى المدرب إلى اللاعب، أن الفشل له ثمن، وأن الجماهير لن تقبل بالأعذار إلى ما لا نهاية. المحاسبة هي الطريق الوحيد نحو التطور.
والآن دورك: هل تعتقد أن المنتخبات العربية قادرة على التغيير الحقيقي قبل مونديال 2026، أم أننا سنشهد نفس المسرحية مرة أخرى؟ ضع رأيك في التعليقات.