في مايو 2026، بينما تستعد أوروبا لنهائيات دوري أبطال أوروبا للسيدات بملاعب ممتلئة وعقود بث تُقدّر بمئات الملايين، تجد نفسك تبحث عن مباراة واحدة للسيدات في المنطقة العربية تُذاع مباشرة على قناة رياضية كبرى فلا تجد. هذه ليست مبالغة، بل واقع صادم يعكس الهوة الشاسعة بين ما تحقّقه كرة القدم النسائية عالمياً وما تعانيه عربياً. السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن جادّون حقاً في تطوير هذا القطاع، أم أننا نكتفي بالشعارات الرنانة والصور الدعائية؟
الفجوة ليست رقمية فقط.. بل فلسفية
دعونا نضع الأرقام على الطاولة. في موسم 2025-2026، سجّل الدوري الإنجليزي الممتاز للسيدات متوسط حضور جماهيري تجاوز 12 ألف متفرج لكل مباراة، بينما استقطبت مباريات دوري أبطال أوروبا للسيدات أكثر من 50 ألف متفرج في بعض المواجهات الحاسمة. في المقابل، لا تكاد تجد دورياً نسائياً عربياً واحداً يوفّر إحصائيات دقيقة عن الحضور الجماهيري، ليس لأن الأرقام سرّية، بل لأنها ببساطة غير موجودة أو محرجة للغاية.
لكن الأمر لا يتعلّق فقط بالأرقام. الفجوة الحقيقية تكمن في الفلسفة الإدارية. في أوروبا وأميركا الشمالية، أصبحت كرة القدم النسائية مشروعاً تجارياً ورياضياً جاداً له بنية تحتية متكاملة: أكاديميات متخصصة، عقود احترافية، رعايات ضخمة، وتغطية إعلامية يومية. أما في العالم العربي، فلا تزال الكرة النسائية تُعامَل كـ«مشروع خيري» أو «واجهة اجتماعية» يُستخدَم في المؤتمرات الدولية لإظهار «التقدّم» دون أن يُترجَم ذلك إلى استثمار فعلي طويل المدى.
الأعذار الجاهزة: بين الثقافة والميزانية
كلما طُرح هذا الموضوع، تبرز الأعذار الكلاسيكية: «المجتمع غير جاهز»، «الميزانيات محدودة»، «الأولويات مختلفة». لكن دعونا نكون صادقين: إذا كانت الأندية العربية قادرة على دفع ملايين الدولارات لاستقدام نجوم كرة قدم أجانب في خريف مسيرتهم، فلماذا لا تستطيع تخصيص جزء بسيط من هذه الميزانيات لبناء فِرَق نسائية حقيقية؟
الثقافة المجتمعية عذر مريح، لكنه لم يعد مقنعاً. في دول مثل المغرب والجزائر ومصر والأردن، شهدنا إقبالاً جماهيرياً لافتاً على المباريات النسائية القليلة التي نُظّمت بشكل جيّد. المشكلة ليست في الجمهور، بل في غياب الاستمرارية والاحترافية. عندما تُلعب المباراة على ملعب فرعي سيء الإضاءة ودون أي دعاية مسبقة، كيف نتوقّع حضوراً جماهيرياً؟
الاستثمار الحقيقي يبدأ بقرار إداري جريء
النماذج العالمية الناجحة تُثبت أن التحوّل ممكن وسريع. الدوري الإسباني للسيدات، الذي كان شبه مجهول قبل خمس سنوات، أصبح اليوم واحداً من أقوى الدوريات في العالم بفضل قرار إداري جريء من الاتحاد الإسباني لكرة القدم بالاستثمار الجاد والإلزام بمعايير احترافية. برشلونة للسيدات، على سبيل المثال، ملأ ملعب كامب نو بأكثر من 90 ألف متفرج في مباراة واحدة، وهو رقم قياسي عالمي للكرة النسائية.
في المنطقة العربية، لدينا البنية التحتية، والملاعب، والقدرات المالية، لكن ينقصنا القرار الإداري الجريء والرؤية الاستراتيجية. لا نحتاج إلى معجزات، بل إلى خطة خمسية واضحة تتضمّن: إنشاء دوريات محلية احترافية، توفير عقود محترمة للاعبات، بث المباريات على قنوات رياضية رئيسية، واستثمار حقيقي في الأكاديميات النسائية. كل هذا ليس خيالاً، بل مجرد تطبيق لما هو موجود بالفعل في دول أخرى.
الإعلام الرياضي العربي: شريك في الإهمال
لا يمكن الحديث عن تطوير الكرة النسائية دون الإشارة إلى الدور الكارثي للإعلام الرياضي العربي. معظم القنوات والمنصات الرياضية الكبرى تتجاهل الكرة النسائية تماماً، إلا في حالات استثنائية مرتبطة بحدث دولي كبير أو إنجاز فردي لافت. أين التغطية اليومية؟ أين البرامج التحليلية؟ أين المساحة الإعلامية المستحقّة؟
عندما لا يجد الجمهور أي محتوى إعلامي عن الكرة النسائية، كيف نتوقّع منه أن يهتمّ بها؟ الإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل صانع للاهتمام والثقافة الرياضية. تجاهله للكرة النسائية يعني تجاهلاً مجتمعياً تلقائياً، وهذه مسؤولية يجب أن تُحاسَب عليها المؤسسات الإعلامية الرياضية الكبرى.
هل هناك أمل؟
رغم كل هذا القتامة، هناك بوادر أمل محدودة. بعض الأندية السعودية بدأت بتشكيل فِرَق نسائية ضمن رؤية 2030، والاتحاد المصري لكرة القدم أطلق مؤخراً مبادرات لتطوير الكرة النسائية، والمغرب يواصل استثماره في المنتخب الوطني النسائي بعد مشاركته في كأس العالم. لكن هذه الخطوات لا تزال خجولة وغير كافية، وتحتاج إلى تسريع وتوسيع كبيرين.
المطلوب اليوم ليس تصفيقاً بروتوكولياً أو تصريحات إعلامية رنانة، بل قرارات إدارية صارمة وميزانيات حقيقية وخطط تنفيذية قابلة للقياس. العالم يتقدّم بسرعة، والفجوة تتّسع كل يوم. إما أن نلحق الآن بجدية، أو نعترف بصراحة أننا غير مهتمّين ونتوقّف عن الادّعاء.
والآن، أخبرنا برأيك: هل تعتقد أن كرة القدم النسائية العربية قادرة على اللحاق بالركب العالمي خلال العقد المقبل، أم أن الفجوة أصبحت كبيرة لدرجة يصعب تجاوزها؟ وما الذي يجب أن يحدث أولاً: قرار إداري من الاتحادات، أم ضغط جماهيري وإعلامي، أم تغيير ثقافي عميق؟