⚽ أخبار كرة القدم

كرة القدم النسائية العربية: هل نكتفي بالتصفيق من بعيد أم حان وقت الاستثمار الحقيقي؟

صورة: Laura Rincón عبر Pexels — Pexels

في الوقت الذي تُحطّم فيه بطولات كرة القدم النسائية الأوروبية أرقاماً قياسية في الحضور الجماهيري وعقود البث التلفزيوني، وبينما تتصدر لاعبات مثل أليكسيا بوتيياس وسام كير عناوين الصحف الرياضية العالمية، تبقى كرة القدم النسائية العربية تراوح مكانها في منطقة رمادية غامضة: بين احتفال إعلامي بـ«الإنجازات التاريخية» وبين واقع قاسٍ يفتقر إلى أبسط مقومات الاحتراف. السؤال الذي يُطرح بإلحاح: هل نحن جادون فعلاً في بناء كرة قدم نسائية عربية منافسة، أم أننا نكتفي بالتصفيق من المدرجات ونحن نشاهد القطار العالمي يمضي بعيداً؟

الاحتفال بالفتات بينما يحصد الآخرون الكعكة

دعونا نكون صريحين: معظم ما نسمعه عن «النهضة» في كرة القدم النسائية العربية هو احتفال بالحد الأدنى. إطلاق دوري نسائي هنا، تنظيم بطولة ودية هناك، مشاركة فريق واحد أو اثنين في بطولة آسيوية يخرجون منها في الدور الأول. كل هذا يُقدَّم على أنه «قفزة نوعية» و«خطوة تاريخية»، بينما الحقيقة أن الفارق بيننا وبين القمة يتسع كل عام.

في إنجلترا، حطّم نهائي دوري السيدات الإنجليزي الممتاز رقماً قياسياً بحضور تجاوز 50 ألف متفرج في 2024. في إسبانيا، أصبحت لاعبات برشلونة نجومات بحق، يملأن ملعب كامب نو ويحصلن على عقود احترافية كاملة. في أستراليا والولايات المتحدة، كرة القدم النسائية ليست «مشروعاً جانبياً» بل صناعة قائمة بذاتها بعائدات تُقدّر بمئات الملايين. أما عندنا؟ لا تزال معظم اللاعبات العربيات يلعبن بدون عقود احترافية حقيقية، يتدرّبن في ملاعب ثانوية، ويُعاملن كـ«هواة» حتى لو حملن ألوان المنتخبات الوطنية.

الميزانيات الهزيلة: عندما يُصبح الحلم رفاهية

إذا أردت أن تعرف مدى جدية أي مشروع رياضي، انظر إلى الميزانية المخصصة له. الأندية والاتحادات العربية تُنفق مئات الملايين على أندية الرجال – رواتب خيالية للنجوم الأجانب، مدربين عالميين، مراكز تدريب فاخرة – بينما تحصل الفرق النسائية على فُتات الموائد. في أحسن الأحوال، تُمنح ميزانيات رمزية «للصورة الإعلامية» وتُقدَّم على أنها دعم غير مسبوق.

لاعبة في الدوري السعودي النسائي الوليد قد تحصل على راتب شهري يُعادل ربع ما يحصل عليه لاعب شاب في الدرجة الثانية من دوري الرجال. في المغرب ومصر وتونس، معظم الفرق النسائية تعمل بجهود فردية ورعايات متواضعة، وتُترك لمصيرها حين تنتهي البطولة الموسمية الوحيدة. هذا ليس «تطويراً»، هذا مجرد إطفاء حريق إعلامي.

التغطية الإعلامية: احتفال بالمناسبات وغياب في الأيام العادية

عندما تُقام بطولة نسائية كبرى أو يُطلق دوري جديد، تمتلئ الشاشات بالتقارير المُشيدة والتصريحات الحماسية من المسؤولين. لكن بمجرد انتهاء الحدث، يعود الصمت ليُخيّم على كرة القدم النسائية مجدداً. لا تحليل تكتيكي، لا متابعة مستمرة، لا حتى بث مباشر منتظم للمباريات. اللاعبات يلعبن أمام مدرجات شبه فارغة، وفي أحيان كثيرة دون حتى كاميرات تلفزيونية تسجّل اللقاء.

المقارنة مع ما يحدث في أوروبا مُحبطة: هناك، تُبثّ مباريات الدوريات النسائية على قنوات رياضية رئيسية، تُحلَّل الأداء الفني بمهنية، وتُجرى مقابلات حصرية مع اللاعبات والمدربات. عندنا، اللاعبة المتميزة لا تحظى حتى بمقابلة واحدة في نشرة رياضية كبرى إلا إذا فاز الفريق ببطولة «تاريخية» أمام فِرَق ضعيفة بنفس القدر.

الحل: استثمار حقيقي أم مجرد شعارات إضافية؟

التقدم في كرة القدم النسائية ليس معجزة ولا رفاهية، بل نتيجة طبيعية لاستثمار جدّي وإرادة حقيقية. الدول التي نجحت في بناء منظومة نسائية قوية بدأت بخطوات واضحة: ميزانيات محترمة للأندية والمنتخبات، دوريات منتظمة تُبثّ تلفزيونياً، برامج أكاديمية للناشئات، وحملات تسويقية تجعل اللاعبات قدوة للأجيال الصاعدة.

في العالم العربي، النماذج الواعدة موجودة لكنها تحتاج إلى دعم مستدام لا إلى ضجة إعلامية مؤقتة. السعودية والإمارات والمغرب وتونس ومصر والأردن، كلها أطلقت مبادرات لكرة القدم النسائية. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل سيتم التعامل مع هذه المشاريع كاستثمار طويل الأمد أم كـ«بروباغندا» قصيرة المدى؟

الجمهور العربي: هل نحن جاهزون؟

قد يقول البعض إن «الجمهور العربي غير مهتم» بكرة القدم النسائية، وهذه حجة سهلة لكنها خاطئة. الجمهور لا يهتم بما لا يُعرض عليه ولا يُسوّق له. عندما تُبثّ المباريات بجودة عالية، وتُروّج لها بشكل محترف، وتُقدّم اللاعبات كنجومات حقيقيات، سيأتي الجمهور. حدث هذا في كل مكان، ولا سبب يمنع حدوثه عندنا إذا توفرت الإرادة الحقيقية.

كرة القدم النسائية العربية لا تحتاج إلى مزيد من التصريحات الإنشائية والاحتفالات الإعلامية الفارغة. تحتاج إلى استثمار حقيقي، ميزانيات جدية، تغطية إعلامية منتظمة، وإيمان بأن هذه الرياضة يمكن أن تُصبح صناعة مربحة ومُلهمة. السؤال الآن: هل نحن مستعدون لدفع الثمن، أم سنظل نكتفي بالتصفيق من بعيد بينما يحصد الآخرون المجد والأرباح؟ ضع رأيك في التعليقات: هل تستحق كرة القدم النسائية العربية استثماراً حقيقياً مساوياً لكرة الرجال، أم أن الأولوية يجب أن تبقى للأخيرة؟

إعلان