⚽ أخبار كرة القدم

هل تحولت كثرة البطولات إلى لعنة تهدد جوهر كرة القدم؟

صورة: RDNE Stock project عبر Pexels — Pexels

عندما تفتح تطبيقك الرياضي المفضل صباحاً، تصطدم بسيل جارف من المباريات والبطولات: دوري أبطال أوروبا، دوري أبطال آسيا، كأس العالم للأندية الموسّع، الدوريات المحلية، بطولات إقليمية لا تنتهي، كؤوس قارية متعددة المراحل، ودوريات أمم جديدة تُخترع كل موسم. المشهد الكروي اليوم يشبه بوفيه مفتوح لا يتوقف، لكن السؤال الحارق: هل الكثرة دائماً في مصلحة الجودة؟ أم أننا نشهد تضخماً مرضياً يهدد بتدمير ما تبقى من قيمة رياضية حقيقية؟

التضخم البطولاتي: وهم الوفرة وحقيقة الاستنزاف

قبل عقدين من الزمن، كان المشهد الكروي واضحاً ومرتباً: دوريات محلية قوية، بطولة قارية واحدة كبرى لكل قارة، وكأس عالم كل أربع سنوات. اليوم، تضاعف عدد المسابقات بشكل جنوني. الاتحاد الأوروبي وحده أضاف دوري الأمم، ووسّع دوري الأبطال من 32 إلى 36 فريقاً بنظام الدوري السويسري، بينما يخطط الفيفا لتوسيع كأس العالم للأندية إلى 32 فريقاً يلعبون كل صيف تقريباً. في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، السيناريو متشابه: بطولات جديدة، مراحل إضافية، مباريات أكثر.

المبرر الرسمي دائماً هو إتاحة الفرصة لأندية أكثر وتحقيق عوائد تجارية أكبر ونشر اللعبة عالمياً. لكن الواقع على الأرض يروي قصة مختلفة: لاعبون منهكون يخوضون أكثر من 60 مباراة في الموسم، مستويات فنية متراجعة بسبب قلة الراحة والتحضير، وجمهور مشتت بين عشرات المباريات اليومية حتى فقدت المناسبات الكبرى بريقها الاستثنائي.

عندما تصبح كل مباراة عادية

أحد أخطر تداعيات هذا التضخم هو فقدان قيمة اللحظة الكبيرة. في السابق، كانت مباراة نهائي دوري الأبطال حدثاً عالمياً ينتظره الملايين سنة كاملة، تُغلق له المدن وتُعطّل الأعمال. اليوم، بات الجمهور يشاهد نصف نهائي أوروبي يوم الأربعاء، ثم نصف نهائي آسيوي الخميس، ونهائي محلي السبت، وكأس سوبر قاري الأحد. النتيجة؟ تخمة استهلاكية تُفقد كل مباراة تفردها وتحولها إلى مجرد رقم في جدول لا ينتهي.

الأرقام تتحدث بوضوح: متوسط نسب المشاهدة للمباريات غير الحاسمة في البطولات القارية تراجع بنسبة ملموسة مقارنة بالعقد الماضي. الجماهير لم تعد قادرة على متابعة كل شيء، فاختارت الانتقائية الشديدة أو الانسحاب التدريجي. حتى وسائل الإعلام التقليدية باتت تكافح لتغطية هذا الكم الهائل دون أن تفقد عمقها التحليلي.

اللاعبون: ضحايا صامتون لآلة الربح

لا يمكن الحديث عن تضخم البطولات دون ذكر أكبر ضحاياه: اللاعبون أنفسهم. نجوم مثل كيفين دي برويني وكريم بنزيما سابقاً وحتى محمد صلاح، تحدثوا صراحة عن الإرهاق البدني والذهني الناتج عن جداول المباريات المزدحمة. الإصابات العضلية تضاعفت، فترات التعافي تقلصت، والموسم لم يعد يتوقف تقريباً. الصيف الذي كان فترة راحة بات مليئاً ببطولات جديدة ومعسكرات تجارية وجولات دعائية.

النقابات المهنية للاعبين بدأت تدق ناقوس الخطر، محذرة من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تقصير مسيرة اللاعبين المحترفين وارتفاع حالات الإنهاك المبكر. لكن الاتحادات الدولية والأندية الكبرى، المدفوعة بالعقود التلفزيونية الضخمة ورعاة لا يشبعون، تواصل الضغط لإضافة المزيد.

الحل: تقليص أم إعادة تنظيم؟

الحقيقة المُرة أن العودة للوراء شبه مستحيلة. المصالح المالية المتشابكة والعقود الموقعة لعقود مقبلة تجعل أي تقليص حقيقي في عدد البطولات حلماً بعيد المنال. لكن ما يمكن فعله هو إعادة تنظيم ذكية: دمج بطولات هامشية، تقليص عدد مباريات المراحل الأولى، منح فترات راحة إلزامية، ووضع سقف أقصى لعدد المباريات الرسمية لكل لاعب سنوياً.

بعض الدوريات الأوروبية بدأت تدرس تقليص عدد الفرق، وبعض الاتحادات القارية تفكر في إلغاء مراحل تمهيدية مطولة. لكن هذه خطوات خجولة أمام تسونامي البطولات الذي يكتسح التقويم الكروي. المطلوب قرار جريء من الفيفا والاتحادات القارية: إما الحفاظ على جودة المنتج الكروي وصحة اللاعبين، أو مواصلة الجشع حتى ينهار النظام بأكمله.

الكرة بين الماضي والحاضر: أيهما أفضل؟

يحاجج البعض بأن كثرة البطولات منحت فرصاً لأندية صغيرة ودول أقل شهرة للظهور على الساحة العالمية، وهذا صحيح جزئياً. لكن الثمن كان باهظاً: تراجع المستوى الفني العام، فقدان الإثارة في المباريات الكبرى، وتحول الكرة من شغف جماهيري إلى سلعة استهلاكية بحتة. الحنين للماضي ليس دائماً رجعية؛ أحياناً يكون تذكيراً بأن الأقل قد يكون أكثر عندما يتعلق الأمر بالقيمة والمعنى.

السؤال الأهم الآن: هل سنستمر في هذا المسار حتى نصل لنقطة اللاعودة، حيث تفقد كرة القدم سحرها الذي جعلها اللعبة الأجمل في العالم؟ أم أن هناك بصيص أمل في عودة العقلانية قبل فوات الأوان؟ ما رأيك: هل تفضل مشاهدة 80 مباراة عادية، أم 30 مباراة استثنائية حقاً؟

إعلان