عندما يعترف مدرب بأن لاعباً واحداً يجعل فريقه يلعب بـ 12 رجلاً على الميدان، فهذا إما مديح استثنائي أو اعتراف ضمني بخطأ سابق. روبرتو دي زيربي، المدرب الإيطالي الذي طالما تغنّى الجميع بفلسفته الهجومية الساحرة في برايتون، خرج مؤخراً بتصريح صادم عن كونور غالاغر: "عندما يلعب هكذا، نلعب بـ 12 لاعباً". السؤال الذي يُحرج الجميع: إذا كان غالاغر بهذه الأهمية الآن، فلماذا لم نشهد هذا المستوى في برايتون تحت قيادة دي زيربي نفسه؟ وهل يستحق أنطونيو كونتي، الذي انتقل إليه غالاغر، الفضل الحقيقي في إطلاق هذه الموهبة المكبوتة؟
المفارقة التكتيكية: نفس اللاعب، مستويان مختلفان
كونور غالاغر لم يتغير جسدياً أو فنياً بين ليلة وضحاها. الفرق الوحيد هو النظام التكتيكي والدور المُكلّف به. في برايتون تحت دي زيربي، كان غالاغر يُستخدم كلاعب وسط دفاعي عميق أو "ميزالا" يُطلب منه المشاركة في البناء من الخلف، وهي مهمة تتطلب هدوءاً وصبراً لا يملكهما اللاعب بطبيعته. غالاغر، بحكم تكوينه في تشيلسي، هو لاعب طاقة نقية: ضغط عالٍ، استرجاع كرات في المناطق المتقدمة، اختراقات مفاجئة نحو العمق. لكن دي زيربي أراد منه أن يكون ريجيستا هادئاً، فكانت النتيجة لاعباً مُحبطاً يفقد الكرة تحت الضغط ويبدو وكأنه في المكان الخطأ.
أنطونيو كونتي، بحنكته وبراغماتيته المعروفة، فهم غالاغر فوراً. وضعه في دور "الميززالا المتقدم" في نظام 3-5-2 أو 3-4-3، حيث يُسمح له بالانطلاق من الوسط نحو خط الهجوم، والضغط على صانع ألعاب الخصم، والظهور في المساحات بين الخطوط. النتيجة؟ ثلاث تمريرات حاسمة وهدفان في آخر خمس مباريات، بالإضافة إلى 18 استرجاع كرة في الثلث الهجومي – رقم يتفوق به على 90% من لاعبي الوسط في الدوري.
دي زيربي يعترف، لكن متأخراً جداً
تصريح دي زيربي الأخير لم يكن مجرد مديح عابر، بل اعتراف ضمني بأنه لم يستطع استخراج أفضل ما في غالاغر خلال فترة عملهما معاً. عندما يقول مدرب إن لاعباً يجعل فريقه أقوى بهذا الشكل، فهو يُقرّ بأن هذا اللاعب كان يملك القدرات دائماً، لكن شخصاً ما لم يُحسن استغلالها. المشكلة هنا ليست في غالاغر، بل في الإصرار على فرض نظام تكتيكي صارم على كل اللاعبين، بدلاً من تطويع التكتيك ليخدم نقاط قوة اللاعبين الفعلية.
دي زيربي، مثل العديد من المدربين "الفلاسفة"، يقع أحياناً في فخ الوقوع في حب نظريته أكثر من حب النتائج. أراد أن يصنع من كل لاعب وسط بيناً صغيراً، ناسياً أن كرة القدم ليست معادلة رياضية صارمة، بل فن يتطلب المرونة والتكيف. كونتي، على العكس، لا يُبالي بالجماليات الفلسفية؛ همّه الوحيد هو الفوز، وهو يعرف أن الفوز يأتي من وضع كل لاعب في الدور الذي يُبرز أفضل ما فيه، حتى لو كان ذلك على حساب "الهوية التكتيكية" المثالية.
الدرس القاسي: التكتيك خادم، وليس سيّداً
حالة غالاغر تُعيد إلى الأذهان أسماء كثيرة دُمّرت أو أُنقذت بسبب التكتيك. هازارد في ريال مدريد تحت زيدان مقارنة بتشيلسي تحت كونتي نفسه، لوكاكو في إنتر مقابل تشيلسي، دي بروين في تشيلسي مقابل مانشستر سيتي. اللاعب الواحد يمكن أن يبدو عبقرياً أو متوسطاً حسب المدرب الذي يُديره. غالاغر ليس استثناءً، بل هو مثال حيّ على أن الموهبة وحدها لا تكفي؛ البيئة التكتيكية الصحيحة هي التي تُطلق الموهبة أو تُقيّدها.
بعض الجماهير قد تقول إن غالاغر نضج أكثر، أو أن الدوري الذي يلعب فيه الآن أقل صعوبة. لكن الأرقام تُكذّب ذلك: غالاغر في برايتون لم يكن سيئاً بالضرورة، بل كان "غير موجود" تكتيكياً، يختفي لفترات طويلة من المباراة لأنه يُستخدم في أدوار لا تُناسبه. الآن، تحت كونتي، هو موجود في كل ثانية، يُزعج الخصوم، يخلق الفرص، ويسترجع الكرات – بالضبط كما كان يفعل في تشيلسي قبل سنوات.
من يستحق التصفيق الحقيقي؟
إذا كان دي زيربي يعترف اليوم بأن غالاغر يلعب بمستوى 12 لاعباً، فالسؤال الأهم: لماذا لم يُساعده على الوصول لهذا المستوى عندما كان تحت إمرته؟ الجواب بسيط ومُحرج: لأن دي زيربي كان أكثر اهتماماً بتطبيق نظريته التكتيكية المثالية على أرض الواقع، حتى لو كان ذلك على حساب لاعبين لا يُناسبهم هذا النظام. كونتي، بخبرته وبراغماتيته، لم يُضيّع الوقت في محاولة تغيير طبيعة اللاعب؛ بدلاً من ذلك، غيّر النظام ليخدم طبيعة اللاعب. النتيجة؟ لاعب مُنطلق، فريق أقوى، ومدرب سابق يعترف بالخطأ متأخراً.
الآن، ضع تعليقك: هل تعتقد أن دي زيربي أخطأ في التعامل مع غالاغر، أم أن كونتي هو فقط من يفهم كيف يُخرج أفضل ما في اللاعبين البراغماتيين مثله؟